فغرقت..

كان الإسفلت داكنًا، مبللًا بأمطار الليلة الماضية، وببوح عينيها
ارتدت معطفها الأثقل، ولفّت عنقها بوعٍد قديم أنها لن تبكي مرة أخرى
وتدثّرت بالأمل

مضى يومان، وبضعة أشهر، وعام، وعُمر
منذ أن شعرت أنها قد غسلت قلبها بحضوره
كلما مرّ بها مشهدٌ أو طرف، نال من معطفها شيئًا، فأصابها برد
كلما مرّت بأعينٍ، أو وسائد، أو أفكار جامحة، نال من روحها صمت

سكتت عنها الكلمات، ومضت في شارع لم يمسح عن جبينه خطيئة الليلة الماضية بعد
بل تجمّل لاستقبال ما تقترفه كل يدٍ آثمه، بترحابه البالغ المعهود

سارت بغير هُدًى، تعرف وجهتها تمامًا، تعرف أنها لن تصل في الوقت المُناسب
تعرف أن بكائها لن يقي من الخطايا شيئًا، ومن الوحدة أشياء
وأنه حزنها لن يوقف الرصاصة في مكانها قبل أن تمس وجنتيّ الفتي
وأن بكائها لن يجمّد القسوة من أن تصفع حلم طفولي وعفوي
وأن بكائها، لن يكسر زجاج قلبها، فيعود إلى نبضاته المختلجة الطبيعية في لاطبيعيتها

خطت بين الشوارع والأزقة المعتمة بفحيح ساكنيها الوجلين من الأصوات العالية والمصارحة
مرت بما وقعت عليه عينيها، وهي جامدة في مكانها، على أعتاب مبللة
قطعت الأمكنة كأنها صفحات كتاب مسّته الريح
وكلما رغبت في التوحد، صافحت أيادِ الغرباء، وجالست من تعرف ومن لا تعرف
انغمست في وحدتها، فانغمست في حشود متعجّلة
كلٌ يمضي إلى مثواه

كان الإسلفت داكنًا، ومبللًا برطوبٍة أعطبت سكينتها الدافئة
بينما تجاوز الماء كعب حذائها،  وملأ رئتيها
فغرقت

انفتحت الشوارع، والأزقة المعتمة بفحيح ساكنيها الوجلين من الأصوات العالية، ومضت تخطوها كفصحات كتاب مسّ

.. لحجارة فرجينيا .. وللأطياف

أنا لست ما أملكه منّي فقط..
لست نتائج كل ارتطام أو تربيت
لست مجرد “نتيجة” لما طرأ على كياني منذ وُجدت

أملك أصلي .. ومادتي الأولى الخالصة
طيني وملحي..
وأفكار لم ترد لي يومًا.. ولم ترد على أحد
ووجٌه لم أره قط!

..

ارتباكة الأصوات النابعة منّا .. والمنسابة من تفاصيل الأشياء
موسيقى خافتة .. يعلو رتمها فقط حينما نرتشف الصمت باستكانة وإنصات

..

 ارتباكة الأشياء
ذبذبات متوترة تتلاعب بعقولنا كلما سنحت لها الفرصة
كلما علا صوت الموسيقى التصويرية المصاحبة لقصصنا
كلما أعلن الفصل مشارفته على النوم .. كلما خلُدنا للصحو

..

هشاشة فرجينيا تراودني .. أسمع أحجارها تنادي بين حين وآخر
آه فرجينيا .. كم حملتي وحدك ..
وكم أثقلتي نفسك بثقل روحك قبل حجرك!
ألم تبقي لي حجرًا واحدًا فقط؟ تركت له نفسي كلما بدى لي الاستسلام أجمل

..

آه يارضوى .. لم تتركي بعدك حرفًا .. أجره فوق خيبتي النابعة من مُطلق الخيبة فقط؟
بعد أن كدت أقرأك في الأطياف .. ووجدت بعض ارتباكي في اختلاج أفكارك
لترسمي فصًلا جديدًا .. ماتت فيه شجر .. وانغلق فيه دفترها على بقايا قصص لن تُروى أبدًا

..

للراحلين فجأة .. للملحمية الداكنة .. والنرجسية
للضعف / الصمت / وحُمّى التفكير بلا منطقية
للقوة المُطلقة في اتخاذ قرار الاستسلام التام للضعف المُطلق
لأقصى كل شيء.. وأدنى ما فينا
للضوء .. وأثره
للظُلمة ونقصها ..

ننتمي

.

يا لغبائهم .. يا لوقاحتِك!

تُمسِك بأداةٍ حادة .. وتثقب روحها عدة مرات
هكذا أفضل .. الآن لن تتراكم المشاعر لتفوق الحد
ولن ينقلب زخم القلب .. وحاجته إلى العشق .. لتجلدها في أرذل البرد
ولن تضطرّ لأن تُفرغ حاجتها في وقت لا يتناسب وحاجة الكون في المنح!

كونها .. مليء وشاسع ..
يومض يوميا بألف نجمة
لكنه غالبا ما يغرق في عتمته كل مساء
ويجعلها رهينة اضطرابها الليلي الموحش بالافتقاد والتيه!
في أمس ساعات الإحتواء
في أشد لحظات الضعف أمام براثن الرمادية وطأة

ما هذا الذي يؤلم ؟
أهو أثر البرد الذي جعل عروق يديها تكادان تغطيان جلدها لا العكس
أهي تلك الأنامل باهتة الوحدة في زرقتها ؟
أم هو فقط وقت غير مُستهلك كان ينبغي لها فيه أن تنام
أو تنهي وردها اليومي من طقوس منوطة بإبقاء توازنها الداخلي على قيد المعافرة؟!

لا تستبدلي اللحظات بأشخاص
لا تستبدلي الأغطية الثقيلة بكلمات معدودة
لا تسبتدلي الحاضرين بالغائبين
..
لا تبالغي في التوقعات .. أو الاعتماد
لا تبالغي .. تردد .. لا تبالغي تبا!
ولا تطغي بترهات لا تدرينها على لحظة كان لها أن تبقى شفيفة من الألم!
أنّى للكون أن يساير جموح ملحميّاتك الليلية التي لا يدري كنهها أحد
ولا أنتِ نفسك!
أنّى لهم أن يقرأوا إشارات الاستغاثة المرتبكة عبر شاشات لن تُظهِر ارتجافة الحرف
أو انحباسة الانهيار في كلمة!
..أنى لهم .. ودائما ما كانت نوافذ اللقاء الافتراضي هي لعنتكم وملاذكم الأقسى
أنّى لهم هذا ..
يا لغبائهم .. يا لوقاحتِك!

في نهار شتاءٍ ما

تحلّ في قلبي.. كصباحات الشتاء البعيدة
رغم الموعد المُنتظر .. والمجيء المجازي
إلا أنك .. بعيدٌ بعيد..

تختفي خلف وجه وقارعة طريق
ّ خلف قوس من البرد يحول بين أطراف أصابعي .. وحمرة وجنتي من الغضب
..خلف أمنيات مؤجلة .. بطول أعمار الحروب المؤجّلة نهاياتها بدورها

كلما انسدل الظلام على النهار سارقًا حضوره .. وأثره على قلبي
افتقدّتُك أكثر
.. وكأنني أسير مُفردة في كون شاسعة محدوديّته

الأحلام تتصارع فوق سقف غرفتي
أظل أرقبُها إلى أن أنام
أراها في الظلام .. جليّة وصاخبة

أحلامي .. تأكُلني
لم تترك من الوقت شيئًا
لم تترُك من الشيء شيئًا!

في مذاق نوتة منجرفة
أحلم بركنٍ أعمق من بواطن الحلم
بـ مُتسعٍ لا يُمانع أن يحملني مرارًا
أن يشاطرني رشفة دفء
ويحملني من كياني المُختصر والمُنهَك..
إلى رداءٍ آخر .. بقلبٍ أكثر حميمية.. إذا تطلب الأمر

فكّري مرّتين .. لا تفكري

فكري مرّتين .. ثماني مرات .. أو عشر إن تطلب الأمر

وإلا سيصيبك ذنب ينخز كنوح الهواء .. بين دفّتي النوافذ المواربة .. أو أسفل عتبات الأبواب

ينخر قلبك وهدوء ليلك .. كآلام الأسنان بعد تناول الحامض! أو كوجع رواية لم ترق لسامعها!

 باتت رائحة الهواء باردة ورطبة الآن .. بعد هنيهة بدى فيها الحكي عاديا .. وباعثا لشيء من الدفء
صار الآن مجازًا عن القرب والتقارُب .. وبوابة أفكار مُظلمة ونوم بارد بالوحدة والظُلمة في آنٍ!

يكاد حاملو السلاح أن يعلنوا .. أن حربهم الأولى هي على البوح

  على الكلمة .. على خلجات النفوس وما ترويه من تفاصيل لو لَم تُسرد لأُحيلت الحياة على التقاعُد
تفاصيل .. تحمل في ذاتها مسك الحياة والمواقف والمشاعر والرائحة التي مضت، بالروح
روح الرائحة .. التي تحمل بدورها قدرة لا تُضاهى في استجلاب الذاكرة .. وجلد الذات
وقدرتها المذهلة في إحياء حالات نفسية بعينها .. وإخماد أخرى
!لهذا ربما أريد أن أتنسّم رائحة شعرك.. علّني أجد ملاذًا ما .. أو موطنا

الفوضى المرسومة على جبيني الآن .. والموشومة في مشاعرى
مضى وقتٌ طويل وأنا في نزاع لحظي معها .. حتى ظننت أنني روّدتُها
إلا أنها تباغتني في لحظة ضعف تكشف لى كم هي التي راودتني ..
فخسرت أمامها أكثر جولات حياتي منطقيًة! وسلّمت لها مفاتيح عقلي هَونًا

فوضى ظننت أن مصدرها خارجي .. نابع من حرب زكمت السماء عن التبسُّم
وأنست الروح أبجديات التأقلُم
إلا أنها تسرى في نبضات ذاكرتي .. ورجفات جسدي
ولعلها المسؤولة .. تلك النابعة مني .. عن كل الحروب حولنا

من أين البداية؟!
كيف تكون البداية
كيف نأمُل بالوصول إليها دون خوض النهايات؟!
بيد أنني لم أعد أدري كيف استقبلها .. أو أصنعها
وما إن كانت تختلف كثيرا بدورها عن خواتم الأمور
!

لا تفكري..
فقط نامي قليلا الآن

بداية جديدة .. أو كما يقول المجاز!

بسم ربي أبدأ هنا .. بداية اتخذت من أنصاف الأشياء إنطلاقتها

تلك الرغبة التي تنتابني وأنا في خضمّ الانهماك .. أن أضغط Pause
أن ألتقط نفسًا جديدا باردًا ورائعا.. يزيح مع زفراته كل ما يوترني
وأن أبدأ من جديد .. بقلب يافع لم يصبه أي ضيق أو ضجر ..
بداية.. قررتها.. وأسعى لرسمها .. رغم كل الأنصاف غير المكتملة حولي
أنصاف القرارات والآمال .. أنصاف الحالات والإنجازات.. أنصاف غير مُنصِفة..
فُرِضت علينا رُغمًا .. أو استسلمنا كفاية لارتكابها!
خاصة .. أنصاف تلك الكتب التي توضع على رفّ مكتبتي لحين أستعيد مزاجي المناسب لقراءتها
وهو الأمر الذي لا يتكرر أبدًا! إلا إذا قررت اصطناع الأمر حتى صار حقيقيا بالممارسة.. وبالإكراه أحيانا!

لذا .. القرار جاء من هُنا
التوق للإنهماك والانغماس .. وحاجة الإكتمال قلبًا وقالبًا
حالة التمرُّد المؤجل على كل ما تم فرّضه علينا مؤخرًا
.. تتولّد فجأة من قلب السقوط وقُبح الاستسلام والسقم منه!

بدلا من تعديد كل ما هو ناقص.. كل من تم اختطاف ضحكتهم بيننا
لما لا نقول “هذا حدث .. ولكن سنبقى وتبقى الروح بخفّتها!!” .. لنقاوم!
لماذا ندع كل انتهاك وتجاوز ينتزع شيئًا منا .. حتى لم يبق فينا سوى الخشاش!

أبدأ تلك البداية .. التي أقرر بعون الله .. وبرغبتي سواء تناسبت مع مزاجيتي الزئبقية.. أم لم تفعل
أن تكون جميلة وإيجابية ومُبهِجة وباعثة للأمل والقوة والقدرة على المُضيّ قُدمًا بوجه باسم مُستبشر!

أبدأها وأخي مُقيّد بأغلال ستهذّبه وتربيه وتعلي من شأنه وشفافة روحه في الأرض والسماء
أبدأها وشقيق القلب والروح بعيد.. تفصلنا فوق حواجز الحدود حواجز تيه وتخبُّط .. وأخرى مُبهمة!
أبدأها .. وقلبي وَجِل من مرضٍ أو ما أراه بعيني المُجرّدة القاصرة “ضُرّ” قد يصيب أحبتي
.. وفكرة تراودني بين فينة وأخرى عن فراق محتوم!

أخطو  .. باستسلام لكل هذا الخوف .. وأكثر منه .. ولكن بقلب رضيّ
قلب يثق بأنه لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها .. وإن حلّ شيء..فهيت له!
.. أنا له! بإذن الله الرحمن الرحيم ~